الأربعاء، 27 سبتمبر 2000

عطر نسائي

عطر نسائي

(قصه قصيرة)

يوم كئيب من أيام الشتاء القارس…دفء البطانية المُرقعةِ يُجبرك على التقوقُع داخِلها و عدم الخروج للعمل سخان المياه متعطل و الماء البارد يزيد من معاناة الفرشاة و الأسنان و الإذعان لغزو التسوس. اقف منتظرا ربع ساعة لحظة الشجاعة التي لن تأتى لأدخل تحت الماء الذي سيوقظ الشعر النائم بجسمي. أفاجأ باني نسيت ملابسي بالمصبغة و لا يوجد لدي إلا ثوب واحد متسخ …دقات الساعة تسرق ما بقى لي من زمن ... ماذا افعل؟ فأنا لا أجيد السرقة حتى اسرق بعض الوقت فالمرة الوحيدة التي سرقت فيها كانت (رغيف خبز) وكانت الأولى و الأخيرة التي امشي فيها متباهيا بوسامتي بين بنات القرية بعد أن ضربني أعمامي ليلا عند المقبرة (حتى تخاف الشياطين و لا تدخلني مرة أخرى) أمي كانت تراقب من بعيد و حيلتها عَبراتٍ سالت أودية من عينيها حُرقَتً على التشوه الذي حصل لي من جراء الضرب.

أوائل فُلولِ العِطر تتغلغل بين مسامات النافذة قاتلتا جو الكآبة و الضجر الذي يسكن الغرفة و طاردتا ما تبقى من رائحة عشاء ألامس. تشعل نسمات العطر طاقة تجبرني على نزول بِنايةِ الخمسِ طوابق و مع كل درجة أنزلها تزيد قوة العطر اكثر و اكثر. اصل إلى اسفل البناية واقف بحقيبتي القديمة كطالب يتيم سرق الزمان أباه عندما كان في المهد منتظرا رجلا يفرحه بقطعة نقود أو عجوزا تمسح له رأسه. وردة الشارع المقابل تنزل من فلتها الفخمة و ترمقني كعادتها بنظرة ازدراء قبل ركوبها سيارة الخمسة أمتار و تقضى دقيقتان و عشر ثواني تعدل فيها زينتها و جلستها قبل الانطلاق رائحة عطرها أقوى من أي وقت مضى تطوقني و تحرسني من قسوة البرد و عذاب الشارع و ظلم الأيام و محنة الليالي.

اركب بسرعة .. تأخرنا (أُنزقُ بِرَهبةٍ من الصوتِ الاجهش لسائق الحافلة )

عطرها يعارك روائح الحافلة و ركابه و تنتصر عليه أمواج العطر تطرق أنفاس جاري بالحافلة

فيسألني : أتعرف أن هذا العطر نسائي ؟

(تتحشرج الحروف و هي خارجة) نعم لا قصدي يمكن لا اعرف ؟

فينظر إلى باستغراب: كيف يمكن لك أن تتعطر بعطر لا تعرف إن كان رجالي أو نسائي ؟

أبعثر حروفا و كلمات شاء لها القدر أن تجتمع في العربية لأول مرة يستسيغها الركاب علكا تمضغه أفواههم طيلة الطريق.

ويوم بعد يوم يمضي هذا الشارع حملا أطنانا من الروائح و الحروف التي تمتزج مع عوادم السيارات مكونتا مزيجا تتعطر به أعمدة الإضاءة و لوحات النيون الإعلانية والقطط الضالة وأشباح أناس لم يعرفو معنى عطر نسائي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق